أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
10
نثر الدر في المحاضرات
دخل عبد اللّه بن عبد اللّه بن الأهتم ، على عمر بن عبد العزيز مع العامة فلم يفاجأ عمر إلا وهو ماثل بين يديه ، فتكلم ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ؛ فإن اللّه خلق الخلق غنيّا عن طاعتهم ، آمنا من معصيتهم ، والنّاس يومئذ في المنازل والرأي مختلفون ، والعرب بشرّ تلك المنازل ، أهل الحجر والوبر ، وأهل المدر الذين تحتار دونهم طيبات الدنيا ، ورفاغة عيشتها ، ميتهم في النار ، وحيّهم أعمى مع ما لا يحصى من المرغوب عنه ، والمزهود فيه ، فلمّا أراد اللّه أن ينشر عليهم رحمته ، بعث إليهم رسولا من أنفسهم عزيزا عليه ما عنتوا ، حريصا عليهم ، بالمؤمنين رؤوفا رحيما ، فلم يمنعهم ذلك من أن جرّحوه في جسمه ، ولقّبوه في اسمه ، ومعه كتاب من اللّه ناطق ، لا يرحل إلا بأمره ، ولا ينزل إلا بإذنه ، واضطروه إلى بطن غار ، فلما أمر بالعزيمة ، انبسط لأمر اللّه لونه ، فأفلح اللّه حجّته ، وأعلى كلمته ، وأظهر دعوته ، وفارق الدنيا تقيا نقيا ، ثم قام بعده أبو بكر فسلك سنّته ، وأخذ بسبيله ، وارتدّت العرب ، فلم يقبل منهم بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا الذي كان قابلا منهم ، فانتضى السيوف من أغمادها ، وأوقد النيران من شعلها ، ثم ركب بأهل الحق إلى أهل الباطل ، فلم يبرح يفصّل أوصالهم ويسقي الأرض دماءهم حتى أدخلهم في الذي خرجوا منه وقرّرهم بالذي نفروا منه ، وقد كان أصاب من مال اللّه بكرا « 1 » ، يرتوى عليه ، وحبشية ترضع ولدا له ، فرأى من ذلك غصّة عند موته في حلقه ، فأدّى ذلك إلى خليفة من بعده وبرئ إليهم منه ، وفارق الدنيا تقيا نقيا على منهاج صاحبه ثم قام من بعده عمر بن الخطاب فمصّر الأمصار ، وخلط الشّدّة باللّين ، فحسر عن ذراعيه ، وشمّر عن ساقيه ، وأعدّ للأمور أقرانها ، وللحرب آلتها ، فلما أصابه قن المغيرة « 2 » استهل بحمد اللّه ألا يكون أصابه ذو حقّ في الفيء فيستحل دمه بما استحق من حقّه ، فقد كان أصاب من مال اللّه مائة وثمانين ألفا فكسر بها رباعه ، وكره بها كفالة أولاده ، فأوى ذلك إلى خليفة من بعده ، وفارق الدنيا تقيا نقيا
--> ( 1 ) البكر : الفتي من الإبل . ( 2 ) قنّ المغيرة : القنّ العبد ، وهو أبو لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة الذي طعن الخليفة عمر بن الخطاب في المحرم سنة 24 ه .